ابن بطوطة
323
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
اللّه بن أبي مدين . فقال الواجب ، وسلك في أموره على السنن اللاحب . ولما حصل مفتاح الزاوية بيده ، وناسبت أحوالها الحسنة حسن معتقده ، واستحق ذلك الطوق جيّد ولايته ، وكانت تلك الخطة بداية في تقديمه ، ونهاية رعايته ، رأى حفظه اللّه أن يشهر أحوال تلك الزاوية في الآفاق ، ويشيع في المعمور عمارتها الجميلة الوفاق . ليقدم عليها الوفود ، وتكرم بمعاهدها العهود . وتحطّ بها الرحال ، وتستقدم ببركتها الآمال ، وتستكفى بحماها الخطوب ، وتستجلى بروحها الكروب . وتتيّسر للضعفاء الأقوات ، وتصفو من كدرها الأوقات . فاستدعى أهل فاس إلى الحضور بجامع القرويين في يوم أخذت به السعود مأخذها ، واسترجعت الأفراح من يد الزمان أخائذها . واسترجعت في ميزان الابتهاج تباشيره ، واستوضحت في وجه السرور أساريره . وطاف بكعبة الآمال طواف القدوم ، وأبدى من محاسنه ما هو أبدع من الوشي المرقوم . فجاء الناس زرافات وأفذاذا ، وأغذوا إلى إجابة داعيهم اغذاذا ، ولم تتسلل البشرى عنهم لوذا بل أنفذ لهم حكم السعادة إنفاذا وأسرعوا إلى الجامع الأعظم إسراع الحجج ليلا بين العلمين ، وازدحموا بصحنه ازدحام الركائب ليلة النفر بالمأزمين . فما راعهم إلّا بروز الشيخ الصالح الولي أبي يعقوب يوسف عمر الإمام نفع اللّه به فوقف للدعاء مليا . وأفصح بالثناء على مولانا أيّده اللّه بديا . ولم ينشب الناس أن أمنوا على دعائه ، وأثنوا أعظم من ثنائه ، وحمدوا اللّه ملء أرضه وسمائه . وقد كان شيوخ الزوايا مجتمعين ، والفقراء السفّارة للأوامر مستمعين . وبيد قيّم الزاوية مفتاحها الضامن للفتوح ، المبشّر بالخير الممنوح الذي فعله حميد ، وكل بصر برؤية حديده حديد . فلما طلع حاجب الشمس ، وتعرف الأفق بالفصل منها والجنس . خرج خدمة الزاوية مع الفقراء ، وأمامهم صدور الشرفاء ، وأعلام الفقهاء ، وغيرهم من الأعيان الحسباء ، ومن انخرط في سلك الدهماء . رافعين أصواتهم بالأذكار والدعاء ، مفعمة أنوفهم بالعنبر والورد والكباء . مرسلة عليهم مزن القوارير بغيوث ماء الورد مشوبا بالعبير ، مفضوضة لهم نوافح المسك الأذفر . مضمخة ذيول نسيمهم بشذاه الأذكى وعرفه الأعطر . وبرزت لذلك المشهد الكريم ربّات الحجال ، والمخدرات المحمية ببيض النصال . وامتأت الطرق بالشبّان والكهول والشيب ، داعين السميع المجيب ، مظهرين للمحبّة التي استجليت ضرائبها المنزهة عن الضريب كالضريب . مخلصين لمولانا أمير المؤمنين المنصور الذي جاء